تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٩ - الذكر و مراتبه و خواصه
تذكّر أحوال النعم، بل كان المهمّ فيهم تذكّر أحوال المنعم و كيفيّة صفات جماله و جلاله، و آيات ملكوته و جبروته، و قد قال بعض العارفين: «عبيد النعم كثيرة، و عبيد المنعم قليلون».
فانظر إلى التفاوت بينهم و بين هذه الامّة المرحومة، حيث قال لهم: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ و قال لهذه الأمّة بقوله: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ [٢/ ١٥٢] و لم يقل: «فاذكروا نعمتي» أو «اشكروا نعمتي» أو «لا تكفروا نعمتي».
و فيه أيضا إشارة إلى أن ذكره خواصّ هذه الامّة للّه من نتائج خواصّ ذكر اللّه إيّاهم في الأزل بوجهين: أحدهما إنّ ذكره عبارة عن عمله، و علمه بالعبد متقدّم على إيجاده المتقدم على ذكره للّه. و ثانيهما إنّه سبحانه أمرهم بالذكر مع «فاء التعقيب» فقوله: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ فيه تقديم و تأخير معناه «أذكركم فاذكروني» و هذا كقوله: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ [٥/ ١١٩] فإنّ رضاؤهم عنه تعالى نتيجة رضاه عنهم، و كقوله: يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ [٥/ ٥٤].
[الذكر و مراتبه و خواصّه]
و اعلم أيّها الحبيب- إنّ للذكر مراتب. و للذكر أيضا مراتب، و نتيجة كلّ ذكر بما يوازيه و يناسبه في الفضل و الثواب، ذكر اللسان، و ذكر الأركان، و ذكر النفس، و ذكر القلب، و ذكر الروح، و ذكر السرّ.
فذكر اللسان الإقرار: فاذكروني أذكركم بالأمان. و ذكر الأركان باستعمال الطاعات: فاذكروني بالطاعات، أذكركم بالكرامات. و ذكر النفس بالاستسلام للأوامر و النواهي: فاذكروني بالاستسلام، أذكركم بنور الإسلام، و ذكر القلب بتبديل الأخلاق الذميمة و تحصيل الملكات الكريمة: فاذكروني بالأحوال و المقامات